الخدمة المدنية — القومية آلية عقاب جديدة

تاريخ النشر: 09/06/2012

امطانس شحادة*

القوانين المعروضة على الكنيست لربط الحقوق بالاعتراف بيهودية الدولة تتخطى الربط بين الحقوق والواجبات لتربط الحقوق بموقف سياسي والاعتراف بالدولة اليهودية.

ان الحالة الاقتصادية لليهود الحرديم وعدم مشاركتهم في اسواق العمل ناتج عن اسلوب حياة ويعكس مكافئة الدولة لهذه الفئة السكانية ولا يعكس حالة إقصاء سياسي اجتماعي اقتصادي وعقاب، كما هو حال الفلسطينيين في إسرائيل.

فكرة طرح الخدمة المدنية-قومية عى الفلسطينيين ليس جديدة، وهي تعود الى سنوات الخمسينيات. حينها كانت عدة اقتراحات لتشجيع العرب لدخول الخدمة المدنية، كبديل للخدمة العسكرية، وربطها بالقبول للتعليم العالي. وكانت هذه الافكار تطرح عن طريق مستشار الشؤون العربية لرئيس الوزراء، لكنها لم تطبق. المحاولة الثانية كانت في تسعينيات القرن المنصرم، تحديدا بعد اتفاقيات اوسلو. منها على سبيل المثال قرار حكومة الليكود في العام 1998 صياغة مشروع لإجبار الشباب العربي من اداء خدمة مدنية. وقرار حكومة براك في العام 1999 تكليف مجلس الأمن القومي اجراء بحث شامل حول موضوع الخدمة المدنية للعرب. وبداء تنفيذ المشروع فعلا، لكن الانتفاضة وهبة اكتوبر اوقفت المشروع كليا.

الفترة الثالثة هي الفترة الحالية وتعود بداياتها الى هبة اكتوبر والانتفاضة. وما يميز المرحلة الحالية هو جدية الحكومية في سعيها لفرض خدمة مدنية على الشباب العرب، على اثر توصيات لجنة اور وبعدها لجنة لبيد، وكونها ترى فيها نافذة لتغير الوعي السياسي والقومي للشباب العرب.

لماذا الآن؟!
بعد هبة اكتوبر ومقتل 13 شابا عربيا برصاص قوى الشرطة عينت حكومة باراك لجنة أور للتحقيق في تلك الاحداث. تطرق معدي التقرير بإسهاب الى التحولات في الوعي السياسي لدى المجتمع العربي ومسببات ذلك. وما يهمنا في هذا المقال ما خلص له التقرير "بأن المجتمع العربي يمر في عملية تطرف سياسي نتيجة تراكم عدة عوامل. وأن الفئة الأكثر تطرفا هي فئة الشباب -والتي تشكل اكبر فئة عمرية لدى المجتمع العربي- وبشكل خاص طلاب الجامعات".

من هنا يمكننا الاستنتاج ان الفئات والحركات السياسية التي أشار إليها التقرير على انها ابرز عوامل "التطرف" حظيت باهتمام مؤسسات الدولة، منها الأمنية، وكانت هدف رئيسي لسياسات الاحتواء والقمع من قبل الدولة، ابرزها فئة الشباب العرب. هذا هو المدخل لفهم المحاولات الحالية لرض الخدمة القومية-المدنية على الشباب العرب، اذ تتناول لجنة اور الحاجة الى صقل وعي جديد لدى المواطن العربي لكي لا يروا بالدولة عدو.
بعد اصدار توصيات لجنة اور قامت الحكومة الإسرائيلية بتعين لجنة وزارية لإعداد توصيات للحكومة لتطبيق مستنتجات لجنة اور، سميت لجنة لبيد (على اسم وزير القضاء تومي لبيد). يستدل من توصيات لجنة لبيد التي نشرت في 3 حزيران 2004، ان هذه اللجنة قامت بتوجيه المزيد من اللوم الى الضحية والتحريض على المواطنين العرب وقيادتهم، وأوصت بفرض الأسرلة على المجتمع العربي من خلال فرض الخدمة القومية والعسكرية وغيرها من التوصيات. وجدت لجنة لبيد ضرورة "بأن تشجع الحكومة فكرة إقامة خدمة وطنية رسمية ومدنية يُؤديها المواطنون الإسرائيليون ممن لا يُدعون للخدمة العسكرية بحيث يمكنهم أداء هذه الخدمة تطوعاً ضمن إطار مجتمعهم، والحكومة من جانبها تشجع إمكانية توسيع دائرة المتطوعين من أبناء الوسط العربي للجيش والشرطة إسرائيل" (اقتباس من التقرير).

وقد قامت لجنة لبيد بترجمة هذه التوصية الى برنامج عمل فعلي، وبواسطة اقتراح متكامل لإنشاء هيئة حكومة تعمل على تنفيذ تجنيد الشباب العرب في الخدمة المدنية. والهدف من خلف هذا البرنامج هو احتواء الشباب العرب ومن ثم جسر الهوة بين الشباب العرب والدولة وصقل وعي جديد يطمس الهوية القومية للشباب العرب ويمهد الطريق لتجنيدهم للجيش. بغية تطبيق توصيات لجنة لبيد اقامت الحكومة لجنة عبري (مدير عام وزارة الأمن السابق) لوضع خطة عمل لتطبيق مشروع الخدمة القومية-المدنية.

اقرت الحكومة بتاريخ 18-2-2007 توصيات لجنة عبري التي حددت ملامح ومضامين مشروع الخدمة المدنية التي اوصت بها لجنة لبيد. من ضمن ذلك اقامة سلطة الخدمة المدنية. كذلك اقرت الحكومة السماح للقيام بالخدمة المدنية فقط من خلال مؤسسات او جمعيات تحصل على تصريح رسمي من الحكومة لهذا الهدف.

لماذا نرفض مشروع الخدمة المدنية؟!
اولا وقبل كل شيء رفضنا للمشروع وللخدمة القومية-المدنية هو رفض مبدئي وسياسي، لأننا نعي اسباب وأهداف المشروع. كما اننا لا نفصل مشروع محاولة فرض الخدمة المدنية عن مجمل سياسات الدولة المعمول بها تجاه السكان الفلسطينيين. اي اننا نتعامل مع المشروع كجزء ومركب واحد من مجمل السياسيات والقوانين التي تسن في السنوات الاخيرة بغية قمع الهوية الفلسطينية وكبح المطالب السياسية للفلسطينيين، والقوانين التي تطبق على ارض الواقع سياسات فصل عنصري. منها، على سبيل المثال لا الحصر، قانون المواطنة الذي يرمي الى تمزيق عائلات فلسطينية احد الازواج من سكان الضفة الغربية او غزة (وكل دولة تعرف وفقا للقانون الإسرائيلي كدولة عدو)؛ وقانون منع احياء ذكرى النكبة؛ وقانون منع العرب من السكن في البلدات الجماهيرية؛ وقانون "طرد الغزاة" (2004) الذي يتيح للدولة الاستيلاء على اراضي البدو في النقب وطرد "الغزاة" من الاراضي التابعة للدولة، كما تسمى في القانون الإسرائيلي. ومحاولات تنفيذ خطة برافير للاستيلاء على الاراضي العربية في النقب.

ففي هذا الواقع تعمل الحكومة ومؤسساتها، بالاضافة الي سن قوانين الفصل العنصري، على تضييق الخناق على المواطن العربي، وتفرض قواعد جديدة للمشاركة في اللعبة السياسيات بل لنيل الحقوق السياسية ألطبيعية، وتعمل على اعاقة تنمية وتطوير الاقتصاد العربي، وتمنع تطوير التعليم العربي، وتضيق على مشاركة السكان العرب في اسواق العمل. وبعد ان تضع كافة المعيقات والعراقيل، السياسية والمعيشية، تأتي وتدعي انها تريد مصلحة المواطنين العرب وان النافذة لتحقيق ذلك تمر عن طريق الخدمة المدنية. وهذه اكاذيب واضحة لأن مشروع الخدمة القومية-المدنية:
يربط بين الحقوق والواجبات، وهو امر غير مرتبط في نظام ديمقراطي. فالحقوق لا ترتبط سوى بالحفاظ على القانون ودفع الضرائب. ناهيك ان خطاب الحكومة الحالي واقتراحات القوانين المعروضة على الكنيست لربط الحقوق بالاعتراف بيهودية الدولة تتخطى الربط بين الحقوق والواجبات لتربط الحقوق بموقف سياسي والاعتراف بالدولة اليهودية.

يهدف المشروع الى تشويه الهوية الوطنية والقومية للشباب العرب، وخلق جيل غريب عن هويته الوطنية وعن تاريخه وعن شعبه.

يعمل على تصالح الشباب العرب مع البزة العسكرية، اي انه مقدمة لتجنيدهم في جيش الاحتلال.

تمويل المشروع يأتي من قبل وزارة الأمن الإسرائيلية، ويضع التعامل مع العرب تحت وصاية وزارة الامن ومن منظور أمني.

لا يرمي المشروع الى خدمة المجتمع العربي بل خدمة مشروع سياسي يهدف الى قمع المطالب السياسية للفلسطينيين.

يدعي ولو بشكل غير مباشر ان كافة مشاكل العرب ناتجة من عدم اداء الخدمة المدنية، وبمجرد اداء الخدمة تحل كافة المشاكل. وهذا كذب.
تطوع الشباب والشابات يكون فقط عن طريق مؤسسات تحصل على تصريح من مديرية الخدمة المدنية ولا يمكنها اختيار مكان التطوع بشكل حر. عمليا تقرر الدولة من هي المؤسسات المرضي عنها ومن لا.

في النهاية وفي ادنى سلم الترتيب، هناك البعد الاقتصادي للمشروع، اذ انه لا يرمي الى تحسين الاحوال الاقتصادية للشباب العرب. ولا يوجد فيه منافع اقتصادية كما تسوق الدولة.

ادعاءات الحكومة المضللة ليست بريئة، فهي تعرف تماما ان اهداف المشروع سياسية ولا تمت بمصلحة العرب بصلة، وتعرف ايضا ما هي الوسائل المطلوبة لتسحين المكانة السياسية والقانونية والاقتصادية للسكان العرب، وتعرف انه لا يمكن الفصل بينهم. وتعرف ان الفائدة الاقتصادية والتنموية للبدائل المطروحة ذات تأثير ايجابي اكبر بكثير من مشروع الخدمة المدنية. اما حول الادعاء ان مشروع الخدمة يأتي لخلق واقع تشارك فيه كافة الفئات في حمل ألعبء، خاصة الأقلية الفلسطينية واليهود الحرديم، ففي ذلك تضليل كبير، اذ ان الحالة الاقتصادية لليهود الحرديم وعدم مشاركتهم في اسواق العمل ناتج عن اسلوب حياة ونتيجة لتوافق سياسي بين القوى السياسية (العلمانية والمتدينة) المشاركة في المشروع الصهيوني ويعكس مكافئة الدولة لهذه الفئة السكانية ولا يعكس حالة إقصاء سياسي اجتماعي اقتصادي وعقاب، كما هو حال الفلسطينيين في إسرائيل. اذا فرض الخدمة المدنية هي آلية عقاب جديدة تسعى الدولة لفرضها على الشباب الفلسطيني، ونحن نرفضها.
 

*عضو اللجنة المركزية في التجمع الوطني الديمقراطي وباحث في مركز مدى الكرمل
 
 
PrintFriendly and PDF
Be Sociable, Share!

مقالات مماثلة