الاعتماد على الخطاب الحقوقي وخطاب حقوق المرأة قد يضر النساء (كانون الثاني 2011)

تاريخ النشر: 23/01/2011

استضاف برنامج الدراسات النسويّة في مدى الكرمل، المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقيّة، بروفسور ليلى أبو لغد في ندوة تمحورت حول نقد خطاب حقوق الإنسان والخطاب النسوي الإسلامي. وليلى أبو لغد هي أستاذة للعلوم الاجتماعية في جامعة كولومبيا، وتتركز دراستها ذات التوجه الثنولوجي والفاعلة غالبا في مصر، في ثلاث قضايا رئيسية: العلاقة بين البُنى الثقافية والقوة؛ سياسيات المعرفة والتمثيل؛ وديناميكية الجندر وموضوع حقوق المرأة في الشرق الأوسط. تتركز أبو لغد حاليا، كجزء من مجهود لاستخدام الأنثروبولوجيا للمساهمة في جدالات سياسية أوسع، في نقد الادعاءات الكونية حول الليبرالية وحول المعضلات الأخلاقية والسياسية المفترضة في الانتشار العالمي لخطاب حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق النساء المسلمات بشكل خاص.

في محاضرتها انتقدت أبو اللغد عملية التعميم فيما يتعلق بالخطاب القانوني (الجنائي والشرعي) وخطاب حقوق الإنسان، ودعت إلى ضرورة ربط الخطاب بالواقع من خلال تفكيك المركبات الأساسية وتفكيك عوامل القوى التي تبني الخطاب، وذلك بهدف صياغة القضية وفهم ما يتم إنتاجه من علاقات قوى. كما أشارت إلى هشاشة الأبحاث والتحليلات التي تتناول الفكر الثقافوي، أو الفكر الستشراقي الغربي. وأكدت أبو لغد أن الأكاديمية توفر لنا أدوات تفكيكية لفهم صراعات القوى، بما فيها علاقات القوى المبطنة داخل السرديات.

تجدر الإشارة إلى أن هذه الندوة واستضافة ليلى أبو لغد في مدى الكرمل، كما غيرها العديد من الأكاديميات والمفكرات الفلسطينيات ومفكرات العالم الثالث، تأتي في إطار سياسة برنامج الدراسات النسوية وأهدافه في جلب أصوات فلسطينية من خارج الوطن واستحضارها في الواقع الفلسطيني، وكجزء من التواصل مع الأصوات الفلسطينية والعربية في العالم، والتي لا تُسمع عادة داخل الأكاديمية الإسرائيلية. في هذا السياق قالت د. نادرة شلهوب- كيفوركيان، مديرة برنامج الدراسات النسوية في مدى، والتي افتتحت الندوة وأداراتها: "تأتي هذه الندوة ضمن مساعي برنامج الدراسات النسوية للمساهمة في تطوير خطاب نسوي محلي يُبنى على أساس خصوصية تجربة النساء الفلسطينيات في الداخل، وفي نفس الوقت يتحاور مع الخطاب النسوي الفلسطيني والعربي ويتفاعل معه. نحن في مدى نحاول فتح المجال أمام باحثينا وباحثاتنا للاستفادة من الباحثات الفلسطينيات البارزات والمؤثرات في علم الاجتماع. كما تسمح مثل هذه اللقاءات للباحثات والباحثين العرب الاستفادة من الطاقات الأكاديمية الشابة في المجتمع الفلسطيني".

في بداية محاضرتها قالت أبو لغد أن تجربتها الواسعة في العمل مع النساء البدويات في مصر حفزتها على تحليل خطاب حقوق الإنسانة، وخاصة خطاب النسويات المسلمات منه. حيث قامت في دراستها الأخيرة بمراجعة الخطاب النسويات المسلمات لمؤسستين عالميتيين تعملان في هذا المجال، ولاحظت أنهما تستعملان خطابا يتقاطع مع خطاب حقوق النساء ومتأثرا بالخطاب الإسلامي ولغة الأمم المتحدة. وقالت أبو لغد أنها لاحظت بأن هذا النوع من الخطاب يموّه الخطابات النسوية، وتساءلت: "أي نوع من الإصلاح هذا، ومن يدفع تمن استعمال الإطار القانوني والاعتماد عليه؟".

هذا وتناولت أبو لغد خلال محاضرتها الفروق بين "كونية" خطاب النسويات المسلمات وظروف حياة النساء البدويات في القرية (المصرية)، بصفتهن يشكلن مجموعة "المنتفعات المتخيَّلات" لهذا النوع من الخطاب. وقالت أنه في حين يمثل هذا الخطاب النساء من ناحية لغة الحقوق، إلا أنه يغالي في اختزال السياقات المركبة لحياة النساء، ويلقي بالمسؤولية عن العنف وعدم المساواة على المباني الأبوية، متجاهلا الميراث الكولونيالي والإفقار كمسببات لتلك الوضعية. وأشارت إلى أن التحليل الذي يتجاوز التحليل الأبوي أكثر ملاءمة لفهم حياة تلك النساء وسياقاتها المختلفة. وترى أبو لغد أن خطاب النسويات المسلمات الجديد لا يتوافق وتجربة النساء البدويات في القرى المصرية. لذلك فإن أبو لغد تدعونا إلى مراجعة إفراطنا في استعمال لغة حقوق الإنسان وحقوق النساء، وتقترح إعادة النظر في فوائد الخطاب الحقوقي ومردوده، وذلك لان الطريقة التي نأطر فيها قضايا تتعلق بحقوق النساء تحدد بالضرورة طريقة تدخلنا لحلها.

"بدل تناول قضايا النساء من منطلق تحليل ثقافوي، علينا (ربما) التفكير في قضايا النساء وتحليلها من خلال التعمق في الظروف الحالية والتاريخية للنساء. ومن تجربتي كأنثروبولجية وبالاعتماد على معرفتي الوثيقة بالنساء البدويات في مصر، اللاتي يفترض أنهن المنتفعات من خطاب النسويات المسلمات، وجدت عدم ملاءمة هذا الخطاب، بل أنه يتسبب أحيانا بالضرر، كما في حالة أفغانستان، حيث تم استغلال انعدام حقوق النساء كحجة للتدخل العسكري"، قالت أبو لغد.

ونوهت أبو لغد، أنه ورغم نقدها لخطاب حقوق الإنسان ورغم محدودياته، فثمة أهمية لعدم إلغائه نهائيا، وضرورة الترابط معه بشكل أو بآخر. وفي نهاية المحاضرة التي حضرها العشرات من الأكاديميات والأكاديميين العرب والناشطات من العرب واليهود، دار نقاش تمحور بجله بضرورة عدم إلغاء الخطاب الحقوقي لما يحمله، رغم كل شيء، من منفعة في قضايا عينية تهم النساء.

وفي سؤال لمديرة برنامج الدراسات النسوية في مدى، د. نادرة شلهوب-كيفوركيان، حول الاهتمام في استضافة أصوات باحثات فلسطينيات، قالت بأن البرنامج يعمل على توفير إطار فكري نقدي للباحثات الفلسطينيات في الداخل، وإطلاعهن على حقول معرفية، منهجيات ونظريات من مجال البحث النسوي. ومن خلال ذلك يعمل البرنامج على الجمع بين المهتمات والمهتمين على مستوى المجتمع الفلسطيني (الداخل، الضفة الغربية وقطاع غزة)، وعلى المستوى العربي والعالمي.

"نحاول في برنامج الدراسات النسوية في مدى ملء الفراغ البحثي القائم المتعلق بدراسة واقع النساء الفلسطينيات على جميع الأصعدة، ونحن نطمح إلى توسيع العلاقات الفكرية والمعرفية المتبادلة محليا وعالميا. فنادراً ما يتم دراسة مكانة النساء الفلسطينيات في إسرائيل من منظور نسوي نقدي، حيث تطغى التوجهات الاستشراقية والثقافوية على البحث المُنتج في الأكاديمية الإسرائيلية".

PrintFriendly and PDF
Be Sociable, Share!

مقالات مماثلة