برنامج علم النفس التحرّريّ/
أحداث / سمينار "قراءات سيكولوجيّة تحرُّريّة في السياق الفلسطينيّ" - اللقاء الثامن (شباط 2026)عُقِد في 21 شباط 2026 اللقاءُ الثامن من سمينار "قراءات سيكولوجيّة تحرُّريّة في السياق الفلسطينيّ"، بمشاركة عدد من طلبة وخرّيجي ومهنيّي الصحّة النفسيّة. جاء اللقاء بعنوان "عيادة تحت الاحتلال- مساحات مُحرّرة: القدس كحالة مكثفة من استعمار فلسطين"، وقدّمته الأستاذة يعاد غنادري، اختصاصيّة نفسية عيادية ومشرفة، ومعالجة مختّصة بالصدمة والصمود.
استهلت غنادري مداخلتها باستعراض محطات من مسيرتها المهنية وشرح كيف أّثرت لك المحطات على تشكيل ذاتها العلاجية ووعيها وتوجّهها لتبنّي العدسة التحررية في الممارسة العلاجية والفكرية والأكاديمية. بعد ذلك، تطرّقت غنادري إلى ظاهرة هدم المنازل والجغرافيات العنيفة التي تتجلّى في ظل نظام استعماري استيطاني مسيطر، واستعرضت بعض الآليات التي تعتمدها العائلات للتكيّف مع هدم منازلها، سواء كانت واعية أو غير واعية، معلنة أو صامتة، فردية أو نفسية جمعية. وأكّدت أنه لا يمكن دراسة الصدمات الناتجة عن الحرب أو العنف البنيوي المستمر دون الانصات بعناية لأولئك الذين يعيشون التجربة يوميًا.
كما عرضت غنادري قراءةً نقديةً لنظرية الصدمة النفسية تُبرز أهمية العوامل السياقية، بما في ذلك الثقافة والسياق السياسي وتأثير الديناميات الجماعية للعائلة. وقالت إن الدراسات الكلاسيكية في علم النفس اقتصرت على الأحداث والتجارب الأوروبية-الأمريكية، ما أدى إلى إنشاء مجال أحادي الثقافة وأنظمة معرفية وعاطفية مُهيمنة، لا تُعالِج تجارب الصدمة والفقدان في السياقات غير الغربية، في حين أنّه يتوجّب على ممارسة علم النفس المجتمعي النقدي أن تكون سياقيّة وبينيّة ومتجسّدة ومسيّسة بطبيعتها.

ثم انتقلت غنادري إلى تناول واقع القدس تحديدًا كحالة مكثّفة تعكس الممارسات الاستعمارية في فلسطين، مستحضرةً إحصائياتٍ تعكس واقع مدينة تعاني من الهدم والمحو المستمرّين لأهلها الفلسطينيّين، كما يحدث اليوم في قطاع غزّة على نحوٍ أكبر وأعنف. وقالت إنّه في ظل الواقع الاستعماري في القدس وفلسطين، وفي ظل ظروف الإبادة الجماعية في قطاع غزّة المحتل، يكشف الفلسطينيون الذين تم هدم منازلهم أنّهم مستهدفون كما لو كانوا أفرادًا بلا اقتدار، ذواتٍ ضعيفةً يُفعَل بها، يُسعى كي تصير مشاعرهم وأفكارهم وأفعالهم متوافقةً مع منطق الاستعمار. وكي يصمد الفلسطيني أمام هذه الهجمات الوحشية على إنسانيته ووجوده وذاته، اضطر إلى استنباط طرق بديلة في التفكير والمعرفة والعمل.
في النهاية، استحضرت غنادري بعض الأصوات من قطاع غزّة والقدس، وأظهرت كيف تكشف هذه الأصوات، وخياراتها التي وجّهت مساراتها، أنّ أصحابها لم يكتفوا بمقاومة الهجمات التي استهدفت بيوتهم وذواتهم فحسب، بل شيّدوا أنماطًا خاصةً من التحرّر العاطفي والنفسي والرمزي الذي يرفض استراتيجيات المحتل، ويزدري محاولاته الاستعراضية للإذلال.
