عقَدَ مركز الكرمل، في نهاية شهر حزيران /يونيو الماضي، اللقاء الرابع والأخير ضمن المرحلة الأولى من برنامج الحلقة البحثيّة "قراءات في نصوص عربيّة وإسلاميّة في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة"، والذي تناول "قراءات في نصوص عربيّة وإسلاميّة حول سؤال النهضة في القرن التاسع عشر".
امتدّ اللقاء على يومَيْن مكثّفَيْن، وارتكز على تقديم المشاركين قراءات في النصوص المختارة، أعقبتها نقاشات علميّة مع أعضاء الحلقة البحثيّة، بما أتاح مقارَبة جماعيّة للنصوص وسياقاتها الفكريّة والتاريخيّة.
استُهِلّ اللقاء بمحاضرة تأطيريّة بعنوان "الحركة الإصلاحيّة في القرن التاسع عشر وشخوصها المركزيّون"، قدّمها د. مهنّد مصطفى، تناول فيها القرن التاسع عشر بوصفه القرن الأكثر تأثيرًا في تشكيل التيّارات الفكريّة والسياسيّة الحديثة في العالـَمَيْن العربيّ والإسلاميّ. وتناولت المحاضَرةُ المفارَقةَ التي ميّزت تلك المرحلة، إذ شهدت ازدهارًا في مشاريع الإصلاح والنهضة في الوقت الذي ترسّخ فيه الوعي بحالة الانحطاط السياسيّ والتاريخيّ، وهو ما جعل سؤال النهوض والإصلاح السؤال المركزيّ للفكر العربيّ الحديث.

وتناولت الجلسة الأولى الحركة السلفيّة الإصلاحيّة من خلال نصوص ثلاثة من أبرز أعلامها: محمّد عبده؛ رشيد رضا؛ عبد الرحمن الكواكبي. وناقشت الجلسة اختلاف مقارَبات هؤلاء الثلاثة للإصلاح في ظلّ التحدّيات التي فرضها التراجع الداخليّ والاستعمار الأوروﭘّـيّ وأزمة الدولة العثمانيّة؛ إذ انطلق محمّد عبده من مشروع تجديد الفكر الدينيّ وإعمال العقل، بينما ركّز رشيد رضا على بناء المشروع السياسيّ الإسلاميّ وإحياء الخلافة، في حين جعل الكواكبي مقاومة الاستبداد شرطًا أوّليًّا لكلّ إصلاح. أدارت الجلسة د. ردينة غانم، وشارك فيها أعضاء الورشة: إذ قدّم محمّد السادات مداخَلة حول محمّد عبده، وعلي مواسي حول رشيد رضا، فيما قدّم كلّ من ياسر منّاع وسهام مهلوس قراءات في نصوص عبد الرحمن الكواكبي.
أمّا الجلسة الثانية، التي حملت عنوان "الحركة الإصلاحيّة التغريبيّة" وأدارها طارق خطيب، فقد تناولت تيّارًا إصلاحيًّا ارتبط على نحوٍ أَوْثَق بالاحتكاك بأوروﭘـا الحديثة، وما أثاره ذلك من أسئلة بشأن التعليم والتقدّم ومكانة الفرد داخل المجتمع. وأظهرت المناقَشات كيف تعكس نصوص رفاعة رافع الطهطاوي وقاسم أمين مساراتٍ مركزيّةً في الفكر النهضويّ، من بينها إعادة التفكير في العلاقة مع أوروﭘـا، وإعادة بناء المعرفة الاجتماعيّة والسياسيّة، ومساءلة البنى التقليديّة للمجتمع. وقدّمت د. ناهد كنعان قراءة في نصوص الطهطاوي، فيما ناقشت د. عرين هوّاري نصوص قاسم أمين.

وفي اليوم الثاني، خُصّصت الجلسة الثالثة لمناقَشة الحركة الإصلاحيّة المغربيّة والحركة السلفيّة الإسلاميّة، من خلال قراءة نصوص خير الدين التونسيّ ومحمّد بن عبد الوهّاب. واستهلّ د. مهنّد مصطفى الجلسة بمحاضرة قدّم فيها خلفيّةَ محمّد بن عبد الوهّاب التاريخيّةَ والفكريّةَ، مركّزًا على دعوته إلى التوحيد، ومنهجه الإصلاحيّ القائم على العودة إلى فَهْم السلف، وكذلك ناقش تحالُفَه مع محمّد بن سعود في "ميثاق الدرعيّة" ودَوْرَه في تأسيس الدولة السعوديّة، إضافة إلى التحوُّلات المعاصرة في العلاقة بين المؤسَّسة الدينيّة والدولة. وقدّمت د. هديل كيّال قراءة في نصوص محمّد بن عبد الوهّاب.
اُختُتِم البرنامج بمحاضرة للدكتور مهنّد مصطفى بعنوان "ماذا تبقّى من الحركة الإصلاحيّة في القرن الحادي والعشرين؟"، تناولت استمراريّة مشروع النهضة العربيّة وعلاقته بالواقع العربيّ المعاصر، متتبّعةً التحوُّلات التي طرأت على الأسئلة النهضويّة منذ القرن التاسع عشر حتّى الثورات العربيّة عام 2011. إضافة إلى هذا، ناقشت المحاضَرة التحوُّلَ الذي أعقب هزيمة عام 1967، وصعودَ سؤال الاستبداد والديمقراطيّة في الفكر العربيّ، والسجالاتِ الفكريّةَ حول العلاقة بين الإسلام والديمقراطيّة، وصولًا إلى تعثُّر مسار التحوُّل الديمقراطيّ وصعود خطاب "الاستقرار مقابل الفوضى" في المرحلة الراهنة.
واختُتِم اللقاء بجلسة تقييم شاملة لمسار الحلقة البحثيّة، خُصِّصت لتبادل الانطباعات والتأمُّل في أبرز القضايا الفكريّة التي أثارتها النصوص والنقاشات على مدار البرنامج.

