أحداث/
أحداث / المعالِـجون الجرحى | مدى الكرمل يعقد ندوة إطلاق دراسة جديدة لبرنامج علم النفس التحرُّريّ (نيسان 2026)عقَدَ برنامج علم النفس التحرُّريّ في مدى الكرمل، يوم السبت الـ18 من نيسان (2026)، ندوة إشهار دراسة بعنوان "المعالـِجون الجرحى: قراءة في تجربة المعالِـجين النفسيّين الفلسطينيّين في أراضي الـ48 في زمن الإبادة" من إعداد إيناس عودة-حاجّ، المعالِـجة النفسيّة ومديرة برنامج علم النفس التحرُّريّ. أدارت الندوةَ أمل خميس-جبران، المعالِـجة النفسيّة، وذلك في مقرّ جمعيّة الثقافة العربيّة في حيفا.

استعرضت إيناس عودة-حاجّ في مداخلتها الدراسة مؤكِّدةً أنّها تأتي لتوثيق تجربة المعالِـجين الفلسطينيّين في الداخل كجزء لا يتجزّأ من جرح الشعب الفلسطينيّ العامّ، خاصّة في ظلّ حرب الإبادة على غزّة وما رافقها من سياسات ترهيب وإسكات. وأوضحت أنّ الدراسة تعتمد على علم النفس التحرُّريّ كإطار مفاهيميّ يسعى إلى فَهم المعاناة النفسيّة ضمن سياق القمع والظلم الاجتماعيّ والاستعمار.
وقد لخّصت عودة-حاجّ نتائج دراستها من خلال أربعة مَحاور أساسيّة: محور فُقدان اللغة، والإسكات والرقابة الذاتيّة؛ محور الاغتراب واللابيتيّة؛ محور الانشطار والذاتيّة المبتورة؛ محور اللملمة واستعادة البيت. إضافة إلى ذلك، قدّمت مفهوم اللابيتيّة الاستعماريّة، تلك التي تتجلّى في التجربة اليوميّة للفلسطينيّ الذي يقيم في أرضه ولكنّه يُواجَه بمعاملة تُجرِّده من انتمائه الطبيعيّ إليها من خلال سياساتٍ ممنهَجة تهدف إلى محو وجود المستعمَر وفصله عن تاريخ وجغرافيا المكان لخلق سرديّة استعماريّة جديدة تبدأ مع بداية المستعمِر وتفرض لغته وقِيَمَه وروايته وسيادته على الحيّز.
واختتمت عودة-حاجّ كلامها بالتأكيد أنّ موقعها كباحثة مشتبكة يجعل من هذا العمل فعلًا معرفيًّا منحازًا يرمي إلى استعادة إنسانيّة المعالِج وصوته في مواجهة أدوات الإخضاع والسيطرة.

من ثَمّ كان التعقيب الأوّل على الدراسة، قدّمه الدكتور سعيد شحادة، الأكاديميّ والاختصاصيّ النفسيّ الإكلينيكيّ، الذي أكّد في مداخلته أنّ الجرح الفلسطينيّ الذي تتناوله الدراسة هو تجربة جمعيّة مشتركة تتجاوز جغرافيا الداخل لتشمل الكلّ الفلسطينيّ في غزّة والضفّة والشتات، معتبرًا أنّ الاستعمار الصهيونيّ يشنّ حربًا نفسيّة ترمي إلى المحو الاستعماريّ وتفكيك الذات. وبيّن شحادة، من منظور علم النفس التحررُّيّ، أنّ وعي المعالِج بجرحه الخاصّ لا يشكّل عائقًا مهنيًّا، بل يتحوّل إلى حاوٍ يتيح فَهْمًا أعمق لجرح المتعالج، ممّا يؤسّس لعلاقة علاجيّة قائمة على التكافؤ الكامل والالتحام بالألم المشترَك بعيدًا عن مفاهيم الحياد الغربيّة. فضلًا عن هذا، طرَحَ تساؤلات نقديّة حول مفهوم اللابيتيّة الاستعماريّة داخل المهنة، مشيرًا إلى الانتهاكات الأخلاقيّة التي تمارسها المؤسَّسات الإسرائيليّة التي تحرّض على الإبادة وتمارس العنصريّة والترهيب تجاه المعالِـجين والمتدرّبين الفلسطينيّين، ممّا يجعل البحث في هذه التجربة وتوثيقها بمثابة تدخُّل مهنيّ ونموذج لبناء مِساحات بديلة لاستعادة الصوت واللغة.

التعقيب الثاني كان للمعالِج والمحلِّل النفسيّ طوني حدّاد الذي اعتبر أنّ إنتاج هذه الدراسة في ظلّ العنف البنيويّ يُمثّل بحدّ ذاته فعل مقاومة وقدرة على التعافي واستعادة الوكالة الفكريّة. وحلّل حدّاد محور اللملمة عبْر مفهوم "الجِلد الثاني" حسب نظريّة أستر بيك، واصفًا إيّاه بغلاف نفسيّ تعويضيّ بناه المعالِـجون لحماية ذواتهم وجماعتهم من التشظّي الناتج عن أهوال الإبادة وغياب الاحتواء المؤسَّسيّ. ثمّ قام بطرح رؤية موازية ترى في هذا الالتفاف امتدادًا طبيعيًّا لبنْية اجتماعيّة فلسطينيّة أصيلة وبيتًا نفسيًّا جماعيًّا يتجاوز كونه مجرّد ردّ فعل طارئ. وخَلصَ إلى أنّ الدراسة نجحت في كشف حالة اللابيتيّة التي يعيشها الحقل العلاجيّ، حيث تتداخل الحدود بين الذاتيّ والسياسيّ، مؤكِّدًا أنّ قدرة المعالِجين على صياغة تجربتهم ومنحها اسمًا ورمزًا هي دليل على استمراريّة المجتمع في إنتاج المعنى والرمز على الرغم من توالي الصدمات.

شهدت الندوة حضورًا واسعًا من المعالِـجين والمهتمّين بالمجال من مختلف الأجيال والآفاق. وفي ختامها، أُتيحت الفرصة للحضور لطرح أسئلتهم ومداخلاتهم التي أغنت الحِوار حول التحدّيات الأخلاقيّة والمهنيّة التي تواجه المعالـِجين الفلسطينيّين في ظلّ الواقع الراهن.
لقراءة الدراسة يرجى الضغط هنا
لقراءة الدعوة، يرجى الضغط هنا
