ورشة دراسيّة- قراءات في نصوص عربيّة وإسلاميّة/

أحداث / الحلقة البحثية: قراءات في نصوص عربيّة وإسلاميّة في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة- اللقاء الثالث (حزيران 2026)
big-img-news
بواسطةMada Admin | 10 يونيو 2026

الحلقة البحثية: قراءات في نصوص عربيّة وإسلاميّة في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة- اللقاء الثالث (حزيران 2026)

عقد مدى الكرمل، في مطلع شهر حزيران، اللقاء الثالث ضمن برنامج الحلقة البحثية: قراءات في نصوص عربيّة وإسلاميّة في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، وخُصّص هذا اللقاء لموضوع: مقاربات ثقافيّة واستعماريّة وتاريخيّة. وجاء اللقاء امتدادًا لسلسلة من اللقاءات البحثية الهادفة إلى إعادة قراءة نصوص مركزية في التراث العربي والإسلامي، والوقوف على إمكاناتها المعرفية والمنهجية في مقاربة أسئلة العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة.

استُهل اللقاء بمحاضرة تأطيرية قدّمها د. مهند مصطفى، تناول فيها إسهامات كلّ من ابن خلدون وابن الأزرق، من خلال قراءة في "المقدمة" لابن خلدون وكتاب ابن الأزرق "بدائع السلك في طبائع الملك". أشار د. مصطفى إلى أن هذين العملين يمثّلان نصوصًا اجتماعية وسياسية رائدة كُتبت في سياق تاريخي اتّسم بالتراجع السياسي والاجتماعي، وأن المعرفة التي أنتجاها جاءت، إلى حدّ بعيد، معرفة مضادّة لحالة الانحطاط التاريخي والسياسي التي عاشاها.

تطرّقت المحاضرة إلى التحوّل المعرفي الذي قدّمه كل من ابن خلدون وابن الأزرق، إذ تجاوزت كتاباتهما الطابع السردي التقليدي نحو بناء مقولات نظرية ومنهجية. وبيّن د. مصطفى أن كتاب ابن الأزرق يمكن اعتباره من أوائل الشروح المعمّقة لمقدمة ابن خلدون، كما يمكن النظر إليه بوصفه مساهمة مهمة في الأخلاق السياسية في التراث الإسلامي، وفي التفكير في المدينة والحيّز العام.

تلا ذلك محاضرة بعنوان "مقاربات سوسيولوجية في مقدمة ابن خلدون"، قدّمها أ. د. أباهر السقا، تناول فيها أثر ابن خلدون في الفكر الاجتماعي وفي تطور العلوم الاجتماعية. ركّزت المحاضرة على عدد من المفاهيم المركزية في الفكر الخلدوني، مثل العصبية، والجاه، والتأنّس والتوحّش، وأطوار الدولة، إضافة إلى المقاربات الإيكولوجية وعلاقة الإنسان بالبيئة.

أوضح أ. د. السقا أن أهمية ابن خلدون تكمن في قدرته على تفسير ظواهر تبدو، للوهلة الأولى، غير سوسيولوجية، من خلال ربطها بسياقاتها الاجتماعية والتاريخية. كما أشار إلى أن ابن خلدون يُعدّ من المؤسسين الأوائل للتفكير العلمي السببي، نظرًا لانشغاله بالأسس المعرفية التي تحكم تفسير الظواهر الاجتماعية والتاريخية.

تناولت المحاضرة كذلك إشكالية تهميش ابن خلدون في تدريس العلوم الاجتماعية في عدد من الجامعات، بما فيها جامعات فلسطينية وعربية، وربطت ذلك بتراجع الإنتاج المعرفي من جهة، وهيمنة المقاربات الغربية للعلوم الاجتماعية من جهة أخرى. كما تطرّق أ. د. السقا إلى ما وصفه بعملية "أثننة" مفاهيم ابن خلدون في القراءات الاستشراقية، حيث جرى حصرها في تحليل المجتمعات العربية والإسلامية بوصفها مجتمعات قبلية أو انقسامية، بدل التعامل معها كنظريات ذات إمكانات تفسيرية أوسع.

أما المحاضرة الثانية فحملت عنوان "علي الوردي وعلم الاجتماع العربي: التأصيل والتحديث"، وقدّمتها د. تغريد يحيى، وركّزت فيها على عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، ولا سيّما كتابه "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي". عرضت د. يحيى الوردي بوصفه مفكرًا استأنف المشروع الخلدوني في دراسة القضايا الاجتماعية، من خلال الجمع بين المنهج الخلدوني ومفاهيم علم الاجتماع الحديث، دون الوقوع في التبعية المعرفية للمتن الغربي.

أوضحت د. يحيى أن كتاب الوردي كُتب في سياق تاريخي صعدت فيه القومية العربية وخطابات الوحدة، غير أن الوردي اختار طرح سؤال مختلف: بدل السؤال عن كيفية بناء الأمة، سأل عن طبيعة المجتمع، وعن التناقضات والصراعات الاجتماعية التي تشكّل بنيته. ومن هنا، انشغل الوردي بالسؤال عن الكيفية التي تشكّلت بها التناقضات الاجتماعية تاريخيًا، وخاصة في المجتمع العراقي. وبيّنت المحاضرة أن الأطروحة المركزية في كتاب الوردي تقوم على الصراع بين البداوة والحضارة، وما ينتج عنه من مفاهيم مثل "التناشز الاجتماعي" وَ"ازدواجية الشخصية". كما تطرقت إلى شبكة المفاهيم التي استخدمها الوردي، ومنها العصبية، والتغالب، والبداوة، والحضارة، وإلى منهجيته الوصفية التفسيرية التحليلية، التي اعتمدت على الملاحظة والخبرة البحثية الممتدة على مدى سنوات طويلة.

شهد اللقاء نقاشًا غنيًا بين المحاضرين والمشاركين، طُرحت خلاله أسئلة حول راهنية ابن خلدون والوردي في قراءة المجتمعات العربية اليوم، وحدود استعادة المفاهيم التراثية في العلوم الاجتماعية المعاصرة، وإمكانات بناء معرفة اجتماعية عربية نقدية تنطلق من التراث دون الانغلاق داخله، وتشتبك مع المعرفة الغربية دون التبعية لها.

 

الاكثر قراءة