عقد مدى الكرمل- المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقيّة لقاءً مكثّفًا امتدّ على مدار يومين، 24 و25 نيسان 2026، في رام الله، ضمن سِمينار دعم مهارات طلبة الدراسات العليا، وذلك تحت عنوان "من الميدان إلى التنظير: أن نبحث ميدانيًا، نُنتج ونكتب معرفة فلسطينيّة عن فلسطين".
جاء هذا اللقاء في سياق برنامج تدريبي يسعى إلى مرافقة طلبة الدراسات العليا في مسارهم البحثي، من لحظة الاشتباك مع الحقل/ الميدان وصولًا إلى بناء الحجج النظريّة وصياغة النصوص البحثيّة. وقد ركّز اللقاء على تعميق فهم النظريّة النقديّة في العلوم الاجتماعيّة، والتفكير في إنتاج المعرفة من موقع الجنوب العالمي، إلى جانب مقاربة نقديّة لمفهوم نزع الاستعمار عن المناهج وأساليب البحث.
كما سعى اللقاء إلى مساءلة موقع الباحث/ة الفلسطيني/ة، والتقاطعات بين السياسي والشخصي والموقعيّة (Positionality) في العمليّة البحثيّة، وتطوير أدوات منهجيّة تُعنى بصقل الكتابة البحثيّة وتعزيز بناء الادّعاء العلمي. وتخلّل اللقاء ستّ محاضرات قدّمها كلّ من: د. نديم كركبي، د. تغريد يحيى-يونس، أ.د. أباهر السقّا، د. خالد عنبتاوي، أ.د. هنيدة غانم، د. أميرة سلمي.
افتُتح اليوم الأوّل بمحاضرة قدّمها د. نديم كركبي، بعنوان "من يوميّات البحث الميداني إلى الأطروحة: بناء الادّعاءات في البحث الإثنوجرافي والتفسيري"، وأدارت الجلسة أمنية زعبي. تناولت المحاضرة منهجيّة البحث النوعي، لا سيّما العمل الإثنوجرافي، من حيث الانتقال من الحقل إلى بناء الحجج العلميّة. تناول الجزء الأول من المحاضرة كيفية كتابة يوميات البحث الميداني من خلال طرق مختلفة تلائم مراحل البحث الأولية والمتقدمة. يهدف التركيز على فحوى يوميات البحث إلى توضيح نوعية المعلومات التي نطمح للحصول عليها في البحث الإثنوجرافي والتفسيري والذي يعتمد في الأساس على المشاهدة (المشاركة) والمقابلات. أما الجزء الثاني فانتقل إلى الحديث عن بناء الادعاءات على الطريقة الاستقرائية (inductive) والتي ترتكز على التعميم من الحدث الخاص إلى شرح ظواهر اجتماعية عامة.

تبِع ذلك جلسةٌ لعرض مهامّ الطلبة، قدّم خلالها عدد من المشاركين أعمالهم البحثيّة في سياق تطوير أدواتهم المنهجيّة وتعزيز التفكير النقدي في طرق جمع المعطيات ومدى ملاءمتها لأسئلة البحث، مع تقديم تغذية راجعة معمّقة حول التحدّيات المنهجيّة والأبعاد الأخلاقيّة والمعرفيّة المرتبطة بالبحث.
في الجلسة الثالثة، قدّمت د. تغريد يحيى-يونس محاضرة بعنوان "إنتاج معرفة نقديّة في الأكاديميا الإسرائيليّة اليوم: أن تكون/ي باحثًا/ةً فلسطينيًا/ةً". تناولت المحاضرة السياق الأشمل والشروط البنيوية التي تعمل ضمنها الأكاديميا الإسرائيلية، بوصفها سياقًا يعمل، من جهة أولى، على تغييب أو تهميش موقعيّة الباحثين/ات الفلسطينيين/ات والحدّ من إمكانات تشكّلهم كباحثين/ات نقديّين/ات. ومن جهة ثانية، تنطلق المحاضرة من هذا السياق نفسه ومن موقعيّة الباحثين/ات الفلسطينيين/ات داخله، مبتدئين/ات ومتمرّسين/ات، ومن الوعي المركّب به وبشروطه، لاقتراح آفاق بحثيّة نقديّة بديلة في إطار وعيٍ بالمسؤولية المهنيّة والتاريخيّة والأخلاقيّة المرتبطة بإنتاج معرفة فلسطينيّة نقديّة، وبما يرافق هذا المشروع من تحدّيات بنيويّة ومعرفيّة وسياسيّة، ولا سيّما في الحاضر الراهن.

اختُتم اليوم الأوّل بمحاضرة أ.د. أباهر السقّا، التي أدارتها د.عرين هواري، بعنوان "قراءة في أفق وتحدّيات إنتاج معرفة وعلوم اجتماعيّة فلسطينيّة". تناولت المحاضرة إشكاليّات إنتاج المعرفة الفلسطينيّة في العلوم الاجتماعيّة، وعلاقتها بالبُنى الاستعماريّة والمراكز المعرفيّة المهيمنة عالميًا. ناقش السقّا تطوّر العلوم الاجتماعيّة في فلسطين، خصوصًا في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، بوصفها معرفة نشأت في سياق استعماري وتسعى إلى إنتاج معرفة مضادّة للاستعمار، مع التوقّف عند التوتّرات القائمة بين المرجعيّات الغربيّة، والاتجاهات النقديّة، وإنتاج معرفة محلّيّة باللغة العربيّة. كما تطرّق إلى أثر اللغة، والتمويل، و"الترندات" الأكاديميّة العالميّة في تشكيل الموضوعات البحثيّة، محذّرًا من تحوّل الباحثين إلى إعادة إنتاج المعرفة المهيمنة بدل مساءلتها. وشدّد السقّا على أهميّة تطوير معرفة فلسطينيّة نقديّة تنطلق من الواقع الفلسطيني بوصفه وحدة استعماريّة واحدة، مع الحفاظ على اللغة العربيّة كأداة أساسيّة لإنتاج المعرفة وتداولها مجتمعيًا.

استُهلّ اليوم الثاني بمحاضرة د. خالد عنبتاوي، التي أدارها مصطفى ريناوي، بعنوان "رحلة البحث الميداني: بين الشغف، والأخلاق، والموقعيّة وإنتاج المعرفة". تناولت المحاضرة تجربة عنبتاوي البحثيّة في دراسة الطائفيّة في شفاعمرو، من خلال قراءة نقديّة لمسار البحث ذاته، بما يحمله من تحوّلات منهجيّة وأسئلة أخلاقيّة ومعرفيّة. توقّف عنبتاوي عند العلاقة بين الباحث وموقعه الاجتماعي والسياسي كباحث فلسطيني يدرس مجتمعه، متناولًا كيف قادته المقابلات الشفويّة والأرشيفات الرسميّة والشعبيّة إلى إعادة التفكير في أدواته البحثيّة ومنطلقاته النظريّة. كما ناقش دور الذاكرة الشفويّة والأرشيف "من الأسفل" في كشف تاريخ اجتماعي وسياسي مهمّش، مبرزًا كيف يمكن للأصوات الشعبيّة، والقصائد، والأغاني، والوثائق الشخصيّة أن تتحوّل إلى أدوات لإنتاج معرفة نقديّة تتجاوز السرديّات الرسميّة والطائفيّة السائدة.

في الجلسة السادسة، التي أدارتها عدن كنانة، قدّمت أ.د. هنيدة غانم محاضرة بعنوان "التحدّيات المنهجيّة في رحلة البحث والكتابة في واقع مأزوم"، تناولت تجربة البحث والكتابة في السياق الفلسطيني بوصفها تجربة شخصيّة وسياسيّة معقّدة، متوقفةً عند التحديات التي يواجهها الباحث الفلسطيني داخل المؤسّسات الأكاديميّة المهيمنة، وعلاقة ذلك باللغة والمنهج والكتابة. شدّدت غانم على أهميّة "الرصانة" في البحث، وعلى ضرورة أن يضيف الباحث معرفة حقيقيّة لا مجرّد تكرار أو استعراض نظري. كما استعرضت تجربتها في دراسة السجينات الفلسطينيات والمثقفين الفلسطينيين في الداخل، مؤكدة أهمية الحوار الذاتي، والقراءة بالعربيّة، والتعامل النقدي مع المجتمع والواقع بعيدًا عن التبسيط أو المثاليّة.

اختُتم اللقاء بمحاضرة قدّمتها د. أميرة سلمي بعنوان "عن مفهوم نزع الاستعمار عن البحث: استرداد الرواية التاريخيّة كمقاومة"، وأدارت الجلسة لنا خاسكية. ركّزت المداخلة على الكيفيّة التي يمكن من خلالها توظيف الأرشيف، بما في ذلك الأرشيف الاستعماري، في مقاومة محو الوجود الفلسطيني، بوصفه محوًا لا يقتصر على الماضي بل يمتد إلى الحاضر. وتطرّقت إلى الإمكانيّات التي يتيحها هذا التوظيف، من خلال مثال دراسة غسان كنفاني عن ثورة 1936، التي أعادت قراءة مصادر متعدّدة ضمن رؤية موجّهة للحاضر وللمقاومة. وفي المقابل، ناقشت حدود هذا التوظيف وحدود الذاكرة الشفويّة الفلسطينيّة، كما في نصوص عدنية شبلي، لتخلص إلى التأكيد على أهميّة فعل الاسترجاع ذاته رغم تعقيداته.
شكّل هذا اللقاء مساحةً غنيّة للتفكير الجماعي وتبادل الخبرات بين الباحثين/ات والطلبة، وأسّس لحوار نقدي حول شروط إنتاج المعرفة الفلسطينيّة وإمكاناتها، في سياق أكاديمي وسياسي معقّد.
